عبد الهادي بلخياط.. حين تكتمل إنسانية الراحل بين الفن والزهد

أعاد خبر وفاة الأستاذ عبد الهادي بلخياط، رحمه الله، إلى الواجهة سيرة رجلٍ استثنائي عبر “قطار الحياة” صوتًا وتجربةً، رجلٍ ترجل اليوم عن القطار، فيما تستمر الرحلة بالآخرين إلى أن يشاء الله. غير أنّ اللافت في مشهد الوداع لم يكن خبر الرحيل ذاته، بقدر ما كان الجدل الحاد الذي رافقه، والتهجّم غير المبرَّر على بعض التدوينات التي نعتت الراحل بـ“الفنان”، وكأن في ذلك انتقاصًا من توبته أو تقليلًا من شأن خاتمته.
إن الحديث عن الشيخ عبد الهادي بلخياط من زاوية مسيرته الفنية لا يُعدّ إساءة، ولا يتعارض مع احترام توبته، بل هو إقرار بحقيقة تاريخية لا يمكن تجاوزها. فالفن كان البوابة التي دخل منها إلى وجدان الناس، والجسر الذي عبر به إلى قلوب الملايين. بصوته وأعماله الوطنية والدينية والاجتماعية، صنع مكانة راسخة في الذاكرة الجماعية، ومن هذا الأثر الواسع انطلق اليوم سيل الدعاء له بالرحمة والمغفرة.
فالتوبة، في جوهرها، علاقة روحية خالصة بين العبد وربّه، وليست شهادة محوٍ تُلغى بها فصول الحياة السابقة. الإنسان لا يُختزل في مرحلة واحدة، لا في خطئه ولا في رجوعه عنه. ولعل ما زاد من تعاطف الناس مع عبد الهادي بلخياط هو اجتماع التجربتين معًا: تجربة الشهرة والنجاح، ثم تجربة الانسحاب والتأمل والعودة الصادقة إلى الله، وهي سيرة جعلت قصته أكثر قربًا من الناس وأكثر إنسانية.
كما أن الدعاء بالرحمة لا يُشترط له الكمال، ولا يُبنى على العصمة، بل على الإيمان بضعف الإنسان وقدرته على التغيير. ومن هنا، فإن استحضار مسيرته الفنية لا يُعد تمجيدًا للخطأ، تمامًا كما أن احترام توبته لا يعني إنكار أثره الفني. العدل يقتضي أن يُذكر الرجل كما كان: إنسانًا عاش، وأبدع، وأخطأ، وتاب، وترك أثرًا.
عبد الهادي بلخياط لم يُعرف لأنه تاب، بل تاب بعد أن عُرف، وبفضل تلك المعرفة اتسعت دائرة الدعاء له، وربما كان ذلك من جميل أقدار الله عليه. وفي هذه القصة درس بليغ: أن الشهرة لا تُغني عن التوبة، كما أن التوبة لا تُلغي الذاكرة، وأن الحكم الأخير ليس للبشر، بل لله وحده.
بقلم: فاتحة أحمد يشو









