خان الخليلي.. حكايات النحاس وروح القاهرة التي لا تنام

في قلب القاهرة الفاطمية، حيث تتداخل أزقة التاريخ مع إيقاع الحياة اليومية، يتنفس سوق "خان الخليلي" عراقةً ممتدة عبر القرون. هنا لا تقتصر التجربة على اقتناء تذكار نحاسي أو قطعة قماش مطرزة، بل هي رحلة حسية عبر الزمن؛ بين المشربيات الخشبية العتيقة، وأقواس الحجر الأبلق، وروائح البخور والعنبر التي تفوح من الممرات لتسرد حكاية مدينة لا تنام.
جذور تاريخية في العصر المملوكي
يعود تاريخ هذا السوق العريق إلى القرن الرابع عشر الميلادي، وتحديدًا في عهد السلطان المملوكي الظاهر برقوق (عام 1382م / 784هـ). أنشأ الخان الأمير جهاركس الخليلي، أحد أمراء الدولة المملوكية المنتسب إلى مدينة الخليل الفلسطينية، الذي اختار موقعًا استراتيجيًا وسط القاهرة الفاطمية، كان يُعرف قديماً بـ "تربة الزعفران" (مقبرة الخلفاء الفاطميين)، ليقيم عليه "خانًا" — وهو المجمع التجاري المخصص لاستراحة القوافل وتبادل البضائع المحملة بالحرير والبهارات والجواهر والأقمشة القادمة من الشرق والغرب.
ومع بداية القرن السادس عشر، شهد السوق تحولاً معمارياً كبيراً على يد آخر سلاطين المماليك، السلطان قنصوة الغوري، الذي هدم جزءاً كبيراً من الخان القديم وأعاد بناءه وتوسيعه ليصبح مركزاً تجارياً شاسعاً، وأضاف إليه بوابات ضخمة ومبانٍ تجارية (وكالات) لا تزال بعض آثارها المعمارية قائمة حتى اليوم، تشهد على دقة الفن المملوكي.
الحرفية والتنوع.. أسواق داخل السوق
مع تعاقب العقود، تحول الخان من محطة ترانزيت للقوافل إلى معقل أسطوري للصناعات اليدوية والحرفية. تتردد في أرجائه معزوفة حية تعزفها مطارق المهرة على أواني النحاس والفضة، وتتألق أضواء الفوانيس الزجاجية الملونة لتبرز تفاصيل الخشب المطعم بالصدف والرخام، والمنتجات التي توارثتها أجيال الحرفيين أباً عن جد.
وينقسم خان الخليلي داخلياً إلى أزقة وحارات متخصصة تُسمى باسم الحرفة التي تُمارس فيها:
- سوق النحاسين: لضرب وتشكيل الأواني والدلايات والمشغولات النحاسية.
- حارة الصاغة: لتصميم وبيع الذهب والمجوهرات الفضية التراثية.
- سوق العطارين: للبهارات النادرة والعطور الطبيعية والأعشاب.
- حي الخيامية والمطرزات: للنسيج اليدوي والأزياء الشعبية والتراثية.
الملتقى الثقافي والأدبي
لم يكن الخان يوماً مجرد مركز للبيع والشراء، بل شَكَّل حاضنة ثقافية واجتماعية ألهمت كبار الكتاب والفنانين، ولعل أبرزهم أديب نوبل نجيب محفوظ، الذي استوحى من المكان إحدى أشهر رواياته "خان الخليلي"، متأثراً بتفاصيل الحياة اليومية في أزقته ومقاهيه التاريخية القريبة من أضرحة ومعالم ومساجد المنطقة، كمسجد الإمام الحسين وشارع المعز لدين الله الفاطمي. ومن أروقته بزغت مقاهٍ تاريخية شهيرة، مثل "مقهى الفيشاوي" الذي تأسس عام 1797م، وكان ولا يزال مزاراً للرؤساء والأدباء والسياح من كل حدب وصوب.
وعلى الرغم من حداثة العالم وتغير أنماط التسوق، يظل خان الخليلي صامداً محتفظاً ببريقه، كشاهد حي يجمع بين أصالة التاريخ الشامخ ونبض الحياة المعاصرة، محولاً الشغف اليدوي إلى قيمة اقتصادية وثقافية خالدة.









